حسن حسني عبد الوهاب
47
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
الولد وظن بعض الظن ، وحملها إلى عبد اللّه بن غانم ، فقال له عبد اللّه كالمعتذر : لعلك رددتها استقلالا لها ، فقال المعلم : " ما أتيت لهذا ، وإنما ظننت ظنّا " فقال له القاضي : أتدري ما علّمته يا معلّم ؟ كل حرف منها خير من الدنيا وما فيها " 1 " . وهكذا تسنى لأبناء العرب والبربر على السواء أن يتلقّوا التعليم الابتدائي في كل حي من أحياء العاصمة القيروانية ، وقلّدها في هذا العمل بقية المدائن في سائر أنحاء بلاد المغرب . ومع الزمان تدرّجت الدراسة من الكتاتيب إلى المساجد والجوامع ، وحلّق الطلبة على الشيوخ من حفاظ القرآن وقرائه ، ورواة الحديث ، وحملة الفقه وما إلى ذلك ، فشاعت منذ ذلك الوقت طريقة التعليم على غرار ما كان موجودا بأمصار المشرق العربي ومدائنه . هذا ما وصل إليه علمنا عن مبدأ ظهور التعليم في حواضر إفريقية . أما طريقته في البوادي وفي داخل البلاد حيث كانت الأغلبية للعنصر البربري ، فقد نقل إلينا أقدم المؤرخين الإفريقيين - وهو ( سلّام بن عمر ) خبرا مفيدا يرشدنا إلى وسيلة تعلّم أبناء البربر لشرائع الدين ، قال ابن سلام " 2 " : " أخبرني أبو صالح النفوسي بتوزر قبل سنة أربعين ومائتين : أن أول من علّم القرآن بجبل نفوسة " 3 " عمر بن يمكتن ، علّمه بمنزل ( أيفاطمان ) ، ويقال إن عمر هذا إنما تعلّم القرآن بطريق ( مقمداس ) ، كان يتلقى فيها السّابلة والمارّة من المشرق ( يعني الجند العربي الداخل إلى إفريقية ) فيكتب عنهم لوحه من القرآن وينصرف إلى منزله ، فإذا حفظ ما فيه رجع إلى المحجّة فيكتب من المارة والرّفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلّم العلم ، ثم قال : " وذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن في أول الإسلام وقلة المعلمين في البلدان " .
--> ( 1 ) معالم الإيمان 1 : 228 [ 1 : 305 ] . ( 2 ) كتاب السير للشماخي ص 142 . ( 3 ) نفوسة - جبل واقع في الناحية الجنوبية الشرقية من إفريقية وهو الآن في المملكة الليبية من تراب طرابلس ، وبه قرى كثيرة عامرة . أزيل النظام الملكي بثورة الفاتح من سبتمبر 1969 .